عثمان بن جني ( ابن جني )

13

سر صناعة الإعراب

وقال أبو زيد : سمعت من يقول وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ « 1 » ( الأنفال : 33 ) بفتح اللام . وهذا من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه . وأشدّ منه ما حكاه اللحياني عن بعضهم أنه كسر اللام الجارة مع المضمر « 2 » ، فقال : المال له . وإنما كان هذا أشذّ من الأول من قبل أن أصل اللام الفتح ، فإذا ردّت في بعض المواضع على ضرب من التأول إليه فله وجه من القياس . وأما الكسر ففرع ، والحمل على الأصول أجوز من النزول إلى الفروع . ووجه جوازه أنه لمّا شبّه المظهر بالمضمر في فتح لام الجر معه نحو قراءة سعيد بن جبير وغيرها ، كذلك شبّه المضمر بالمظهر في كسر لام الجر معه في هذه الحكاية الشاذة . وكما شبّهت الباء في بزيد باللام في لزيد حتى كسرت مثلها ، كذلك جاز أيضا لبعضهم أن شبّه الباء باللام ، ففتحها مع المضمر كما يفتح اللام معه ، وذلك أيضا في ما حكاه اللحياني من قول بعضهم : مررت به ، بفتح الباء « 3 » ، وهذه التشابيه إنما تقع شبيها بالغلط ، على أن أصحابنا في كثير مما يحكيه اللحياني كالمتوقفين . حكى أبو العباس عن إسحاق بن إبراهيم ، قال : سمعت اللحياني ينشد : كم عمة لك يا جرير وخالة * فدعاء قد جليت عليّ عشّار « 4 » فقلت له : ويحك ! إنما هو : قد حلبت عليّ عشاري ، فقال لي : وهذه أيضا رواية .

--> ( 1 ) جاءت هذه الآية ردا على ادعاء الكفار بأن يعذبهم اللّه أو يمطر عليهم حجارة من السماء ، فكانت هذه الآية رحمة من اللّه تمهلهم فلا تأخذهم بعنادهم فهم يمهلون إكراما لوجود رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بينهم . انظر / في ظلال القرآن الكريم للسيد قطب ( 3 / 1505 ) . الشاهد فيها : قراءة اللام بالفتح . ( 2 ) المضمر : كسر اللام الجارة مع المضمر لغة خزاعة . ( 3 ) فتح الباء : مثل قوله : مررت به ، لغة اشتهرت بها قبائل متعددة مثل قضاعة . ( 4 ) نسب صاحب اللسان البيت للفرزدق ، مادة ( ع ش ر ) . لسان العرب ( 4 / 573 ) . فدعاء : هي التي تمشي على ظهر قدميها لوجود اعوجاج في المفاصل كأنها فارقت مواضعها ، وأكثر ما يكون في رسغ القدم أو اليد . مادة ( ف د ع ) . لسان العرب ( 8 / 246 ) . عشار : ( م ) عشراء ، والعشراء من النوق ما مضى على حملها عشرة أشهر . اللسان ( 4 / 572 ) ويبدو أن الفرزدق يهجو جرير ويسبه ويعيره ويقبحه ويخبره بأن له عمة وخالة تشبه كلاهما الناقة في مشيتها المتعرجة المعوجة إذا ما مرّ على حملها عشرة أشهر .